السيد عباس علي الموسوي

19

شرح نهج البلاغة

ويتلّخص من ذلك بحسب الترتيب السابق أن كمال المعرفة إنما يكون بنفي الصفات غير اللائقة بذات اللّه أو المنفصلة عنه التي هي غير عين الذات ثم أنه عليه السلام برهن على نفي هذه الصفات وتنزه اللّه عنها وأنها لا تليق به ولا يمكن أن يتصف بها بقوله : ( لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف وشهادة كل موصوف أنه غير الصفة ) فإن العقلاء وأصحاب الفكر يعرفون أن الصفة غير الموصوف ، والموصوف غير الصفة ، فالكرم غير زيد ، وزيد غير الكرم ، فهما متغايران ، والذات متقدمة على الصفة ومنفصلة عنها ولا تقوم الصفة مستقلة برأسها بدون ذات ، ومن يصف اللّه بغير ما هو أهل له من الصفات فقد وقع في الشرك وكان إيمانه مشوبا بكثير من الأوهام الباطلة ولذا أراد عليه السلام أن ينفي هذا التوهم الفاسد ويصحح الرؤية على الوجه السليم فقال : ( فمن وصف اللّه سبحانه فقد قرنه ) من وصف اللّه بغير صفاته الذاتية أو جعل صفاته مغايرة له فقد قرنه إلى غيره وجمعه معه واللّه منزه عن القرين . ( ومن قرنه فقد ثناه ) من قرنه بغيره فقد جعله ثاني اثنين واللّه واحد لا شريك له ولا ندّ يساويه أو يضاده . ( ومن ثناه فقد جزأه ) من جعله ثاني اثنين فقد جزأه وقسمّه بحيث جعله بما يشترك فيه مع غيره وبما يفترق فيه عن غيره وهذه تجزئة له . . ( ومن جزأه فقد جهله ) وهذه نتيجة طبيعية للتجزئة ودليل على عدم المعرفة وأن من جزأه لم يعرفه معرفة كاملة لأن معرفة اللّه تقتضي توحيده بالذات وتوحيده أيضا بالصفات . وينشأ من هذا الجهل أمور كثيرة تضل الانسان وتحرفه عن الاستقامة في التفكير والنظر وأشار إليها الإمام بقوله : ( ومن جهله فقد أشار إليه ) من جهل اللّه ولم يعرفه معرفة كاملة توهمّه في ذلك وتخيل له صورة معينة وهذا التوهم والتخيل يشار إليه معنويا أو حسيا . ( ومن أشار إليه فقد حده ) جعله جسما محدودا مؤطرا بالأبعاد الجسمية من الطول والعرض والارتفاع والعمق وهذا هو مقتضى الإشارة فلا بد وأن يكون المشار إليه محدودا بجهة وله مشخصات تعينّه . . ( ومن حده فقد عده ) من حده بحدود الزمان والمكان فقد أحصاه وحصره في رقم معين لأن كل محدود معدود .